ابرز الموادسلايدر الرئيسيةسياحة عربية

«من السيدة للحسين».. رحلة في ثقافة المكان الرمضاني البهيج بمصر

 

مابين حي السيدة زينب وحي الحسين تتجلى القاهرة الرمضانية بمدد الإيمان وفيض الحب لآل البيت النبوي الكرام، وتتخذ تلك المساحة في أرض الكنانة أبعادا فريدة في شهر الصوم والقيام بقدر ما تكشف عن معاني ثقافة المكان الرمضاني البهيج.

 

وهنا “مابين السيدة والحسين” تهل أنوار رمضان مبكرا وحتى قبل حلول الشهر الفضيل، فيما تقترن تلك المنطقة في الوجدان العام ونبضات القلوب والتماعات العقول للمصريين، بل والعرب ككل بالفرحة الرمضانية ومفرداتها البهية وهي التي شرفت بأهم أعتاب آل البيت الكرام في القاهرة المعزية.

 

وإذا كان روبرت ماكفرلين يطرح في كتابه الجديد: “المستور” رؤية وصفها نقاد ثقافيون في الصحافة الغربية “بالرحلة البديعة في الزمن العميق لبيان التأثير الإنساني في كوكبنا الأرضي” فتلك المنطقة القاهرية الضاربة في أعماق الزمن العامرة بالأنوار وجواهر الإيمان هي بحق شاهد على الفعل الإنساني المبدع في المكان فيما تتجلى كأروع مايكون في شهر الصيام.

 

وإن أشار هذا الكتاب الجديد الصادر بالإنجليزية للكاتب البريطاني روبرت ماكفرلين “لومضات لقاء سعيد عبر الزمن بين الإنسان والمكان في حضارات متعددة تجلت على الأرض في شواهد باقية” فهنا “بين السيدة والحسين” نفحات السعادة وهنا أيضا “رسائل الإيمان والحكمة” بقدر ما تشكل تلك المنطقة ككل علامة امتياز منحتها عبقرية المكان لمعاني السياحة الثقافية والتراثية.

 

وحي السيدة زينب ينتسب ككل لشرف المسجد الشهير الذي يحمل اسم حفيدة سيدنا رسول الله وابنة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه متوسطا الحي فيما تتفق عدة مراجع تاريخية على أن مسجد السيدة زينب بني عام 1547 الميلادي وأصبح من أشهر المساجد في القاهرة، بل والعالم الإسلامي ككل.

وإذ يستقبل حي السيدة زينب القاهري أفواجا من البشر من كل مكان خلال شهر رمضان، حيث يكتسب الحي طابعا رمضانيا فريدا وبهيجا فان لحي السيدة أيضا معالمه الثقافية الرمضانية مثل “الحديقة الثقافية” التي ينظم فيها المركز القومي لثقافة الطفل برنامجا مكثفا يبدأ اليوم “السبت” باحتفالات تتضمن فعاليات ثقافية وفنية متنوعة للأطفال بعنوان :”أهلا رمضان”.

 

والحديقة الثقافية بحي السيدة زينب أمست علامة من علامات الليالي الثقافية الرمضانية بفعاليات ثقافية وفنية متعددة كما تحتضن ” العديد من الفرق الفنية التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة لتقدم إبداعاتها بهذا الحي القاهري العريق والذي يتخذ زينته كأبهى ما يكون في شهر رمضان الفضيل فيما تحرص العديد من الأسر على الإفطار او السحور “بموائد الطاهرة وفي الأجواء الروحانية العذبة لهذا الحي القاهري”.

 

ويحق أيضا لكيان ثقافي اخر هو “بيت السناري” التابع لمكتبة الأسكندرية ان يفخر بانتسابه لحي السيدة زينب في موقعه على بعد خطوات من مسجد السيدة وهو الذي يضم “صالون أم هاشم” حيث تعقد ندوات وفعاليات ثقافية فيما عرف أيضا بتنظيم ليال رمضانية تتجلى فيها جماليات التلاوة المصرية للقرآن الكريم.

وفي السنوات الأخيرة ، شهد ميدان وحي السيدة زينب عملية تطوير شاملة في اطار ما وصف “بخطة لتطوير ابنية وميادين القاهرة” فيما يتردد عشاق القراءة والكتب القديمة على “سور السيدة زينب” الذي يعد من أماكن الكتب ذات المكانة والذكريات في الوجدان العام للمثقفين المصريين الذين عرفوه كما عرفوا سور الأزبكية.

 

ولم يكن من الغريب أن يحظى حي السيدة زينب بمكانة عزيزة في إبداعات كتاب كبار مثل المبدع الراحل توفيق الحكيم حيث اتخذت روايته الشهيرة “عودة الروح” من حي السيدة زينب القاهري مسرحا لها وكذلك فعل يحي حقي في روايته “قنديل ام هاشم”.

 

فحي مؤثر في ثقافة المكان كحي السيدة زينب لابد وان يكون ملهما لإبداعات مثقفين مصريين كبار كيحيي حقي أحد رواد القصة العربية الذي ولد في السابع من يناير عام 1905 في بيت يقع “بدرب الميضة” وراء “المقام الزينبي” ليقدم هذا الأب الثقافي المصري الذي قضى في التاسع من ديسمبر عام 1992 روائع مثل “قنديل ام هاشم” و”ام العواجز” فيما بلغ مرتبة “الأديب الفنان” شأنه في ذلك شأن توفيق الحكيم الذي ولد في الأسكندرية يوم التاسع من أكتوبر عام 1898 وقضى بالقاهرة في السادس والعشرين من يوليو عام 1987.

 

وإذا كان يحيي حقي ابن حي السيدة زينب وتلقى تعليمه الأولي في “كتاب من كتاتيب هذا الحي القاهري العريق” فان المبدع الراحل صالح مرسي الذي ولد بمدينة كفر الزيات في محافظة الغربية يوم السابع عشر من فبراير عام 1929 وقضى في الرابع والعشرين من أغسطس عام 1996 قد تناول ضمن روائعه في القصة والرواية طرفا من المعاني والرسائل التي يبثها حي السيدة زينب لكل البشر وتضمد جراح المكلومين والمتألمين مثل “زغدانة” بطلة قصته “البحار مندي”.

فزغدانة الشابة السكندرية الجميلة التي فقدت الأب والأم والزوج في زمن الحرب العالمية الثانية تجد نفسها وسط احزانها في حي السيدة زينب وهي التي كانت تسمع أمها الراحلة تدعو :”باأم العواجز” ولطالما شعرت شعورا عميقا ودفينا بشيء يربطها بالسيدة زينب وهاهي الآن في طريقها “لأم العواجز”.

 

ورغم كل الآلام فقلبها ينبض بالحنين والحنان والأمل في ان تساعدها “ام هاشم” بينما تسمع صيحات المكلومين :”مدد ياست” ويفيض الدمع من عينيها لكنها تشعر براحة غامرة في ظلال المكان الحبيب ويسري بداخلها إحساس طاغ بأن يدا تمتد لتمسح على رأسها وتكفكف دموعها الساخنة في غمار احزان الفقد.

 

وشأنه شأن “حي السيدة زينب الشقيق” فان حي الحسين بطابعه الرمضاني المتفرد “حكاية لقاء سعيد عبر الزمن بين الانسان والمكان” على حد تعبير روبرت ماكفرلين صاحب الكتاب الجديد :”المستور” ضمن اهتماماته العميقة بثقافات الأمكنة سواء ككاتب او كأكاديمي “بكلية ايمانويل في جامعة كامبريدج” البريطانية العريقة.

وكما في كتاب صدر له من قبل بعنوان :”جبال العقل” يمضي ماكفرلين في حفر معرفي مشوق لتقصي “المشاعر المتعددة التي تولدها الأمكنة في القلب الإنساني” وكما في “كل رمضان يولد الحسين أروع المشاعر وأكثرها عذوبة في قلب الإنسان” ويعادل حي الحسين فرحة الشهر الفضيل بالنسبة لكثير من المصريين والعرب والأجانب وهم في رحاب وعبق هذا الحي القاهري مابين المسجد الحسيني والجامع الأزهر وخان الخليلي.

 

وهذا الحي القاهري والرمضاني بامتياز يشكل في الواقع الترياق الشافي لمشاعر الوحشة التي تناولها روبرت ماكفرلين في كتاب له بعنوان :”الأماكن المقفرة”، حيث جاب عبر منظور تاريخي في تلك الأماكن البرية النائية والفيافي البعيدة التي تجافي “الانس كخاصية إنسانية”.

 

هنا في “الحسين” الانس المتجدد دوما ليبدد المخاوف والوحشة والنور الذي يبدد كل عتمة وينسج بخيوط الزمن العميق حكاية مصرية فريدة في العلاقة بين الانسان والمكان ، وهنا ما يبدد مخاوف ماكفرلين وغيره من مثقفين في الغرب من ان يتغلب “المصطنع على الأصيل والمتجمل على الجميل والمسطح على العميق”.

 

وهنا حيث “الزمن العميق” في حي الحسين الذي يعد بحق درة تاج ثقافة المكان القاهري الرمضاني لم يكن غريبا ان يختاره امام الدعاة الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي محلا للإقامة عبر سنوات طويلة من حياته في القاهرة وان تتدفق خواطره وتنثال رؤاه وتفسيراته القرآنية في ظلال المشهد الحسيني وتلك البيئة الايمانية لهذا الحي القاهري ككل.

 

ولئن تحدث روبرت ماكفرلين عن “أمكنة نخاف منها وأمكنة نحبها ونشتاق اليها ونخاف على ملامحها من الضياع فنحفظها” فقد رأى من قبل توم ويلكينسون في كتاب عن فن البناء ان العمارة ساحة لمنازلات التاريخ بل والصراعات الايديولوجية كما انها تعبر عن التواضع الإنساني وقد تعبر عن الصلف والعجرفة كما يتناول عملية التأويل الرمزي لبعض المباني فان المعمار الحسيني يعبر عن احسان المكان واصالة المصريين وثقافتهم الانسانية التي تحتفي بالحياة بنظرة ايمانية ثاقبة.

 

وحي الحسين أشبه “بجامعة كبرى” لا يمكن ان يفلت من تأثيرها من عاش فيها واحبها وانتمى اليها خلال فترة أساسية من العمر كما حدث مع “النوبلي نجيب محفوظ” وهكذا كان من الطبيعي ان يؤثر هذا الحي القاهري في ادب نجيب محفوظ .

 

وذلك التأثير واضح كل الوضوح في “المرحلة المحفوظية” التي يسميها النقاد باسم ” المرحلة الواقعية” فكثير من أسماء رواياته مستمد من بيئة الحسين مثل “خان الخليلي” و”زقاق المدق” و”بين القصرين” و”قصر الشوق” و”السكرية” وكلها أسماء شوارع وأزقة في حي الحسين انتقلت الى عالم نجيب محفوظ الروائي الذي رفع راية الحسين فأصبحنا نشم رائحة هذا الحي ونكاد نرى خريطته الجغرافية والانسانية معا.

وطريف ان يسعى بعض الباحثين في التاريخ الثقافي المصري لاجراء مقارنات بين حي الحسين الآن وحي الحسين عندما كتب نجيب محفوظ رواياته بالهامات هذا المكان الفريد وان يلاحظ البعض مثلا التغيرات التي طرأت على “خان الخليلي” الذي لم يعد حيا سكنيا كما تناوله محفوظ في روايته التي تدور أحداثها في مستهل سنوات الأربعينيات من القرن الماضي واعوام الحرب العالمية الثانية.

 

فخان الخليلي بات منطقة تجارية تكتظ بالمحال والبازارات والمخازن اكثر بكثير من طابعه الذي تناوله النوبلي نجيب محفوظ كحي سكني وان بقت النكهة الفريدة للمكان بمقاهيه ووجوهه الطيبة وانسه الذي يصل لذروته في شهر رمضان الكريم.

 

فهنا في حي الحسين القاهري تهفو القلوب لمسجد أقيم منذ عام 1154 ومعطر بعطر المصطفى وبعض آثاره الشريفة ومقتنياته الحبيبة في “الغرفة النبوية” بالمسجد الذي يحمل اسم سبط النبي الكريم “الحسين بن علي بن ابي طالب” فيما يتاخم الجامع الأزهر الذي يحتفل غدا “الأحد” بعامه التاسع والسبعين بعد الألف وخان الخليلي وتحمل ابوابه أسماء موحية “كالباب الأخضر” كما يضم مكتبة في جهته الشرقية.

وذاكرة حي الحسين القاهرية “ذاكرة رمضانية فوق العادة” بقدر ما تحول هذا الحي القاهري لعلامة متروبوليتانية لمدينة لها حضورها الكوني وعشاق حول العالم فيما يتجلى “التنوع” في فعاليات الليالي الرمضانية الثقافية مابين الشعر والحكي والموسيقى والإنشاد الديني والمديح النبوي في “بيت السحيمي” و”قصر الأمير طاز وفي “قبة الغوري” بشارع الأزهر، تستمر فرقة التنورة في تقديم عروضها أيام السبت والأثنين والأربعاء من كل أسبوع حتى نهاية الشهر الكريم.

 

ولرمضان حكاياته المبهجة دوما في “شارع المعز” في قلب القاهرة الفاطمية بتجلياته الثقافية المتنوعة والمتعددة ومن بينها الأمسيات الشعرية فيما أمسى شارع المعز لدين الله تحفة للناظرين وبهجة للساهرين بين جنباته التي تعود للعصر الفاطمي والبيوت والأسبلة والوكالات التجارية العتيقة ليكون حي الحسين ككل علامة رمضانية مصرية بامتياز بحلقات الإنشاد الديني والمقاهي ومشغولات الحرفيين المهرة.

وإذا كانت كثرة من ورش صناعة الفوانيس تتمركز في أحشاء وعلى أطراف حي السيدة زينب ، فإن حي الحسين بدوره يعرف الصناعات التراثية الإبداعية وفي الخانات “كخان جعفر” توجد ورش لصناعة السبح اليدوية ناهيك عن المشغولات الذهبية والفضية.

 

وفي تلك المنطقة القاهرية العتيقة ومحيطها عاشت رموز ثقافية خالدة في الذاكرة المصرية والعربية مثل شيخ المؤرخين المصريين في العصور الوسطى تقي الدين المقريزي الذي انحدر من أب لبناني الأصل ينتمي لمدينة بعلبك وام مصرية وقد ولد في “حارة برجوان” بمنطقة الجمالية في القاهرة المعزية.

 

وباستقراء تاريخي فإن أكبر تجمع للشوام كان حول مناطق القاهرة الفاطمية في “الحمزاوي الكبير والصغير وخان الخليلي والمشهد الحسيني والغورية والجمالية وخط امير الجيوش والخرنفش وباب زويلة وباب النصر وباب الفتوح وبين القصرين”.

 

ومنذ نهاية القرن التاسع عشر ، ظهرت الكتابات الحديثة حول احتفالات مولد الحسين في كتاب “الخطط التوفيقية الجديدة” الذي وضعه “علي باشا مبارك”وبقدر مانشأت الليالي الرمضانية في الحسين وتطورت متفاعلة مع الشخصية المكانية والثقافية لهذا الحي القاهري فإنها تعيد تشكيل المكان فيما القمم العالية لمآذن المسجد الحسيني تكللها حبال من الأضواء الملونة وتنساب حبال الأضواء من المسجد باشراقات فوق الشوارع والأزقة وتضاريس البنايات و الأناشيد الإيقاعية الصوفي في محيط الاحتفال بالليالي العطرة.

 

ومن هنا لا يكاد “رمضان المصري يكتمل عند الكثيرين إلا بقضاء ليلة في الحسين” ، حيث تتوافد الجموع على المسجد الكبير في المنطقة التي شرفت باسم الحسين وباتت ساحته الحافلة بالرموز الثقافية وبديع المعمار والحوارات الجمالية والروائع التراثية تحمل عبقا مصريا بالغ الخصوصية شأنها شأن حي السيدة زينب.

 

وما بين “السيدة والحسين” تتوالى النفحات الإيمانية ويجتمع الشمل المبتهج في الليالي الرمضانية.. كأنها أسراب يمام البهجة في مساءات الطيبين..كأنه العشق للمكان البهيج كما ينبغي أن يكون.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Languages - لغات »
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock